الذهب يهبط 2% مع صعود الدولار وتراجع السيولة
للذهب موهبة غريبة في خطف العناوين بمزاجين متناقضين تمامًا: إمّا يظهر كبطل “ملاذ آمن” يركض نحو الفوضى، أو يعود فجأة إلى طبيعته الثقيلة ويذكّر الجميع بأنه مُسعَّر بالدولار الأمريكي. حركة اليوم كانت من النوع الثاني. فقد تراجع الذهب بنحو 2% في تداولات ضعيفة بسبب العطلات، بينما ارتفع الدولار الأمريكي وتراجعت السيولة في الأسواق، فتحوّل ما كان يمكن أن يكون هبوطًا تدريجيًا إلى انخفاض أوضح وأسرع.
هذه من تلك الأيام التي لا تكفي فيها عبارة “الذهب هبط” لتفسير ما حدث. القصة هنا هي لماذا هبط بهذه السرعة: عندما تكون أحجام التداول خفيفة، تبدو التحركات أكبر من حجمها الطبيعي—مثل دفعة صغيرة تُسقط كومة عالية من العملات. ومع إغلاق أو تقلص نشاط بعض الأسواق بسبب العطلات، يقل عدد المشترين والبائعين القادرين على امتصاص أوامر البيع والشراء. وهذا مهم لأن الذهب عادةً يكون أكثر استقرارًا عندما تكون المشاركة واسعة وعميقة. وعندما لا يحدث ذلك، يمكن للسعر أن ينزلق بسرعة لأن الطرف المقابل ببساطة غير موجود بالقدر الكافي.
المحرّك الأكبر: قوة الدولار الأمريكي
الذهب يُتداول عالميًا، لكنه في الأساس مُسعَّر بالدولار. لذلك، عندما يرتفع مؤشر الدولار غالبًا ما يتعرض الذهب لضغط—لأن المعدن يصبح أغلى على حاملي العملات الأخرى، ما قد يخفف الطلب خارج الولايات المتحدة. هذا التأثير قد يكون بسيطًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح عالي الصوت عندما تكون السيولة ضعيفة.
اليوم، تحرك الدولار صعودًا فيما انزلق الذهب دون مناطق نفسية مهمة حول 5000 دولار للأونصة—وهو مستوى يراقبه المتداولون كأنه “الزعيم الأخير” في لعبة فيديو. وذكرت رويترز أن الذهب الفوري تراجع إلى منطقة منتصف 4900 دولار بعد أن هبط بأكثر من 2% في مرحلة ما، وتراجعت العقود الآجلة كذلك.
اللافت أن ما حدث لم يكن بالضرورة انقلابًا جذريًا في “قصة” السوق بقدر ما كان تفاعلًا متسلسلًا:
الدولار يقوى،
المشاركة في التداول ضعيفة،
الذهب يفقد الزخم،
تُفعَّل أوامر وقف الخسارة ويظهر باعة الزخم،
- تتضخم الحركة بالعناوين،…وفجأة يبدو تراجع طبيعي كأنه سقوط درامي.
السيولة الضعيفة: المسرّع الخفي
“السيولة” كلمة مالية تبدو مجردة حتى ترى أثرها. السيولة تعني ببساطة: مدى سهولة الشراء أو البيع دون التأثير الكبير على السعر. عندما تكون السيولة مرتفعة، يستطيع السوق امتصاص أوامر كبيرة عبر عدد كبير من المشترين والبائعين. وعندما تكون منخفضة، قد تدفع نفس الأوامر السعر بقوة في اتجاه واحد.
خلال هذا الأسبوع، كانت السيولة أكثر ضعفًا بسبب تداخل عطلات متعددة—خصوصًا في أجزاء من آسيا (بما في ذلك إغلاقات رأس السنة القمرية) ومع عطلة أمريكية قريبة (يوم الرؤساء) ما قلّص المشاركة العالمية. وأشارت رويترز تحديدًا إلى أن التداولات الضعيفة بسبب العطلات ساهمت في الضغط على المعدن الأصفر.
كما لفت MarketWatch إلى أن فترة رأس السنة القمرية قد تقلّل مؤقتًا من أحد مصادر الطلب الفعلي، خاصة من الصين والمنطقة، على الأقل في النافذة الزمنية التي تقل فيها نشاطات الأسواق والمشترين.
هذا لا يعني أن الطلب “اختفى”. لكنه يعني أن ممتصّات الصدمات المعتادة في السوق كانت أضعف. وعندما تُزال ممتصات الصدمات، تتحول الحفر الصغيرة إلى فوهات.
“إقبال على المخاطرة” وتراجع التوتر: حاجة أقل للملاذات الآمنة
الذهب لا يتحرك فقط بناءً على التضخم وأسعار الفائدة. إنه يتحرك أيضًا بناءً على الخوف: التوترات الجيوسياسية، مخاوف النمو، هبوط الأسهم، القلق بشأن الاستقرار المالي. وعندما تتراجع هذه المخاوف ولو قليلًا، يمكن أن يتلاشى جزء من “علاوة القلق” التي كانت مدفوعة في سعر الذهب.
بمعنى آخر: الذهب هو أصل “ماذا لو ساءت الأمور؟”. وعندما يميل المزاج العام إلى “ربما الأمور ليست سيئة جدًا”، يلين الذهب—خصوصًا إذا كان الدولار في الوقت نفسه يتقدم.
عامل الفيدرالي: انتظار إشارات خفض الفائدة
حتى في يوم يهيمن عليه الدولار والسيولة، يظل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي حاضرًا كظل ثقيل. المتداولون يراقبون إشارات توجه أسعار الفائدة، ونبرة تصريحات مسؤولي الفيدرالي، وما قد تكشفه محاضر الاجتماعات. وأشارت رويترز إلى أن المستثمرين يترقبون محاضر اجتماع يناير للفيدرالي لأن توقعات الفائدة يمكن أن تغيّر سريعًا “تكلفة الفرصة” لحيازة أصل لا يدر عائدًا مثل الذهب.
وهذا مهم لأن علاقة الذهب بالعوائد الحقيقية (العوائد بعد خصم التضخم) غالبًا ما تكون العمود الفقري للحركة طويلة الأجل. إذا توقع السوق سياسة أكثر تيسيرًا وعوائد حقيقية أقل، يميل الذهب للاستفادة. أما إذا عادت فكرة “معدلات مرتفعة لفترة أطول”، فقد يواجه الذهب صعوبة. حركة اليوم بدت أقرب إلى ضغط ناتج عن الدولار والسيولة أكثر من كونها حكمًا قاطعًا على مسار الفائدة، لكن الفيدرالي يبقى عامل الجاذبية.
لماذا يبدو هبوط 2% أكبر مما هو (ولماذا يظل مهمًا)
هبوط 2% في الذهب ليس شيئًا نادرًا، لكنه كافٍ ليُجبر السوق على إعادة ضبط روايته. قد يؤدي ذلك إلى:
إخراج متداولي الزخم قصيري الأجل،
تفعيل بيع فني حول مستويات مفصلية،
نقل المزاج من “اشترِ كل تراجع” إلى “هل نقترب من قمة؟”،
وزيادة جاذبية البدائل مثل النقد والدولار والعوائد القصيرة الأجل.
لكن هذا لا يعني تلقائيًا أن الاتجاه الأكبر “انكسر”. فقد كان الذهب يتداول عند مستويات مرتفعة تاريخيًا، والتراجعات الحادة جزء من اللعبة عندما يكون الأصل حساسًا للعناوين ومزدحمًا بالمراكز وموزعًا عبر مناطق زمنية.
وأظهرت بيانات TradingEconomics أن الذهب كان قرب 4900 دولار في 17 فبراير 2026 بعد تراجعه عن اليوم السابق—بما يتماشى مع ضغوط الهبوط خلال اليوم.
الخلاصة الأكثر واقعية: السوق تعرض لمزيج من عوامل قصيرة الأجل تضغط عادةً على الذهب—دولار أقوى، أحجام تداول ضعيفة، مشاركة أقل بسبب العطلات—فتراجع الذهب كما يحدث غالبًا في هذا السيناريو.
“الميكانيكا”: كيف تتحول سيولة ضعيفة إلى هبوط سريع
لننظر تحت الغطاء قليلاً، لأن هنا يلتقي الجانب الإنساني بحقيقة الأسواق الإلكترونية.
في ظروف السيولة المنخفضة:
يتسع الفارق بين سعر الشراء والبيع (Bid-Ask Spread).
تضعف دفاتر الأوامر (عدد أقل من الأوامر عند كل مستوى سعري).
تصبح أوامر وقف الخسارة أكثر تأثيرًا (لأنها تتحول إلى أوامر سوق عند تفعيلها).
تتوتر عملية اكتشاف السعر (عدد قليل من الصفقات قد يحدد السعر المرجعي).
لذلك حتى لو كانت الأخبار الأساسية “متواضعة”، قد يتحرك السعر بقوة. لهذا تظهر عناوين مثل “الذهب يهبط 2%” في أيام لم يتغير فيها العالم جذريًا. الأسواق لا تتحرك فقط على معنى الأخبار، بل تتحرك أيضًا على بنية التداول—من يتداول، وبأي حجم، ومتى.
ماذا تقول الحركة عن نفسية المستثمرين الآن؟
حركة اليوم تعكس أيضًا شيئًا نفسيًا: سوق شديد الحساسية تجاه الدولار. هذا ليس جديدًا، لكنه يصبح أكثر وضوحًا عندما يكون الذهب قريبًا من أرقام دائرية كبيرة (مثل 5000 دولار). الأرقام الدائرية مهمة لأن البشر يحبون العتبات السهلة: تصبح مغناطيسًا ومعركة وعنوانًا في آن واحد.
لذا عندما هبط الذهب دون 5000 دولار، لم يكن ذلك مجرد تغيير سعر—بل تغير في الحكاية. وأكد MarketWatch هذا الكسر أسفل 5000 دولار وربطه بتراجع الدعم خلال عطلة الصين، ما يعزز فكرة أن الطلب الفعلي والموسمية ما زالا مهمين حتى في عالم تقوده العقود الآجلة.
ما الذي نراقبه لاحقًا: مسار الدولار، عودة السيولة، ومحفزات الاقتصاد الكلي
المرحلة التالية من هذه القصة تعتمد غالبًا على ثلاثة أمور:
بتلخيص “نيردي” قليلًا: الذهب اليوم كان يحل معادلة بثلاثة متغيرات—قوة الدولار + السيولة + توقعات الفائدة—وسيطر المتغيران الأولان على المشهد.
نظرة أوسع: دور الذهب في عالم غريب
الذهب يستمر لأنه ليس مجرد سلعة؛ بل هو “تكنولوجيا ثقافية”. إنه قصة تخزين قيمة يكررها البشر منذ آلاف السنين، ومع كل اضطراب في الحاضر، تُعاد روايتها.
لكن سعر الذهب يُحدده أيضًا محرك الأسواق الحديثة: تحركات العملات، شروط التمويل، توقعات الاقتصاد الكلي، وتموضع المتداولين. في أيام مثل اليوم، تلتقي الأسطورة القديمة مع واقع التسعير بالدولار ودفاتر الأوامر الإلكترونية الرقيقة.
نعم—الذهب هبط 2% مع صعود الدولار وضعف السيولة. لكن الخلاصة الأعمق هي: ظروف السوق قد تكون بنفس أهمية سرديات السوق. عندما يكون التداول ضعيفًا، يرتفع “مقبض الصوت” في السوق. مدخلات صغيرة تنتج مخرجات كبيرة. والذهب—رغم هالته الخالدة—لا يزال يرقص على إيقاع الدولار وسيولة اليوم.
فقرة كلمات مفتاحية SEO (ضعها في نهاية المدونة)
انخفاض سعر الذهب، الذهب يهبط 2%، سعر الذهب الفوري، عقود الذهب الآجلة، XAUUSD، سوق المعادن الثمينة، قوة الدولار الأمريكي، مؤشر الدولار DXY، تأثير الدولار على الذهب، ضعف السيولة في التداول، تداولات ضعيفة بسبب العطلات، رأس السنة القمرية وتداول الذهب، أصول الملاذ الآمن، التحوط من التضخم، محاضر الاحتياطي الفيدرالي، توقعات خفض الفائدة، العوائد الحقيقية، شهية المخاطرة في الأسواق، تراجع التوترات الجيوسياسية، تحليل سوق السلع، التحليل الفني للذهب مستوى 5000 دولار، أخبار الذهب اليوم 17-02-2026، تقلبات الذهب، توقعات أسعار الذهب.